الاستهداف الجوي لمعامل أرامكو السعودية تغير كل معادلات حرب اليمن

17.09.2019

لم يمر على رحيل من قيل عنه صقر الأمريكيين، وأحد أهم ركائز القيادة السعودية فى حربها ضد إيران، المستشار جون بولتون سوى أيام قليلة جدا، حتى جائت الضربة الثانية للرياض، عبر هجوم نفذته طائرات يمنية مسيرة السبت 14سبتمبر/أيلول الجاري على معمل بقيق وحقل خريص التابعين لشركة أرامكو السعودية، فمعمل بقيق يعد أكبر معمل لتكرير النفط في العالم.

الهجمات التى نفذها الحوثيين على معملي بقيق وخريص جاءت لتسجل أقوى ضربة للحوثي على السعودية حتى الآن، كي تؤثر على إنتاج خمسة ملايين برميل من النفط يوميا، أي ما يقرب من نصف إنتاج السعودية. وفي القراءة:

أولا : المشهد يعكس ما وصلت إليه العسكرية الحوثية من تطور عسكري وإستخبارتي أيضا.

ثانيا : كل يوم يتأكد لنا فشل منظومات الدفاعات الجوية السعودية التى هي أمريكية بالأساس أمام أسلحة وأدوات قد تكون تقليدية، ولا يفوتنا أن طائرات حرب اليمن المسيرة ستغير من منظور ومعادلات كل الحروب الجوية، ومن مهام الدفاعات الجوية أيضا، بعد أن نجح الحوثي عبر طائراته المسيرة فى اختراق أنظمة باتريوت الدفاعية الامريكية عشرات المرات.

ثالثا : تعد أبو ظبي أكبر المستفيدين من ذلك المشهد، بعد التضارب الواضح الذي حدث مؤخرا على أرض الميدان باليمن بين المجلس الانتقالي الجنوبي (المدعوم من الإمارات) وحزب الإصلاح اليمني المحسوب على جماعة الإخوان وما يسمى بالحكومة الشرعية ورئيسها عبد ربه منصور هادي (المحسوب على السعودية)، فكثيرا ما حاولت الإمارات إقناع السعودية بأن تكون بوصلة الحرب موجه ضد الحوثي فقط، ولكن كانت القيادة السعودية وضعت خطر المجلس الانتقالي عليها قبل خطر الحوثي بالآونة الاخيرة.

رابعا : الهحوم الجوي اليمني على السعودية هو ليس الأول وبالتأكيد لن يكون الأخير، كذلك هو بالتأكيد بمباركة من القيادة السياسية الإيرانية وهذا أيضا طبيعي، ولكن الجديد في ذلك المشهد هو أن ذلك الهجوم جاء على هوى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ترامب الذي طلب من الأمير محمد بن سلمان أكثر من مرة وقف الحرب على اليمن، بسبب ما يتعرض له كل يوم من ضغوط متزايدة، وكان الأمير يرفض ويطلب عقد مزيد من صفقات السلاح الوهمية الذي لم يصل منها شيء للسعودية حتى الآن، أي صفقات مقابل شراء أصوات لا مقابل شراء سلاح، ولكن الأمر لم يعد ينفع مع ترامب في الداخل الأمريكي، وكذلك مع نظرائه الأوروبيين الذين يتعرضون كل يوم لضغوط من مؤسسات المجتمع المدني ومساءلات برلمانية لقطع تصدير السلاح إلى السعودية.

خامسا : جاء توقيت تلك الضربة اليمنية كقرصة أذن للسعودية عامة ووزير الطاقة السعودي الجديد عبد العزيز بن سلمان (الابن الرابع للملك سلمان عبد العزيز) خاصة، والذى جاء توليه قبل أيام قليلة من الحادث على حساب خالد الفالح (المحسوب سياسيا على المعسكر المضاد لتوجهات السعودية السلمانية)، وهو من جاء توليه ليسجل تحكم الأسرة الحاكمة في كل شيء بمفاصل الدولة السعودية، كما جاء توقيت الضربة على عملاق النفط العالمي أرامكو فى الوقت الذى تستعد فيه لطرح حصص من أسهمهها قريبا، وهو أمر سينعكس بالسلب الشديد على مستقبل أرامكو.

ولا يفوتنا مشهد مريب في أمره بعد أن ذكرت تقارير ومصادر عدة دون أن تنفي او تؤكد حكومة الكويت، تفيد بدخول طائرة مسيرة نحو الكويت وحلقت فوق دار سلوى (القصر الاميري) فأن كان ذلك صحيح وهو فى الغالب سيكون صحيح، فسيطرح ذلك المشهد أسئلة غاية التعقيد فى أجابتها، أبرزها كيف دخلت وخرجت سالمة دون أن يعترضها الدفاع الجوي الكويتي.

أخيرا وليس أخرا رحل ثالث مستشار للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المستشار جون بولتون شفيع القيادة السعودية بالبيت الابيض، كما رحل مايكل فلين وهربرت ماكماستر بتغريدة على موقع تويتر أيضا، في الوقت الذي يبدو أنه سلم فيه ترامب للأمر الواقع، معترفا بإيران حتى لو كان الاعتراف خلف الكاميرات، فالرئيس الامريكي عاود الحديث علنا عن رغبته بالتواصل مع القيادة الإيرانية وتأكيده على أنه لا يستهدف تغيير النظام بطهران، والأهم أن ذلك المشهد جاء فى التوقيت الذى فتحت فيه خطوط اتصال سرية بين واشنطن وأنصار الله، وهو أمر له دلالات غاية في الأهمية، وانعكاسه صار واضحا على مسار الحرب اليمنية.

فما يحدث داخل البيت الأبيض من تخبط واضح يأتي نتيجة لخيبة آمال يهود الولايات المتحدة بعد شهور من حرب تكسير العظام خاضتها واشنطن ضد طهران، وحرب اقتصادية ضد الصين، بعد أن تلاعبت بهم كوريا الشمالية وطالبان وغيرهم، وفي ظل رغبة ترامب في انتزاع أي دور لفرنسا خارج حدودها، بعد ضمان رحيل ميركل من المشهد فى برلين، وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.

كما أن ما حدث سواء بخروج جون بولتون من البيت الأبيض أو ضربة البقيق وخريص سيسجل كانتصار جديد لطهران فى حربها الطويلة ضد الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل ما يحضر من جانب حزب الله تجاه دولة الاحتلال، بعد استمرار مسلسل إسقاط حزب الله للطائرات الاسرائيلية على التوالي.