موسكو ترحّب بـ«صديق بوتين»

16.12.2016

رحّب الكرملين بترشيح ريكس تيلرسون لمنصب وزير الخارجية في الولايات المتحدة، حيث أكد يوري اوشاكوف، مستشار الرئيس الروسي، أن بوتين ومسؤولين روس آخرين لديهم علاقات عمل جيدة مع تيلرسون ووصفه بالشخصية القوية والمهنية. واعتبره وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف شخصية براغماتية، متمنيا أن تشكل هذه البراغماتية أساسا متينا لتطوير علاقات مفيدة بين موسكو وواشنطن وحل المشاكل الدولية. لقد صنع تيلرسون، الرئيس الحالي لمجلس إدارة مجموعة «اكسون موبيل» النفطية العملاقة، مستقبله في هذا المجال عندما عمل في روسيا في تسعينيات القرن الماضي، وذلك كما تُقدمه وسائل إعلام روسية للرأي العام الروسي. علما بأن فترة التسعينيات في روسيا كانت كارثية، وشاع فيها نهب الثروات الطبيعية وغيرها. ويبدو أن تيلرسون ارتبط، بعد ذلك، بعلاقات صداقة مع الرئيس فلاديمير بوتين، لدرجة أن الأخير منحه وسام الصداقة الروسي للأجانب في العام 2012. ففي 2011، وقعت «اكسون موبيل» صفقة مع شركة النفط الروسية الكبرى «روسنفط» بشأن التنقيب والإنتاج المشترك، نتج عنها نحو عشرة مشاريع أخرى داخل روسيا. ومن ثم توطدت علاقته بالرئيس الروسي، وبرئيس شركة «روسنفط»، ايغور ستشين، الصديق المقرب من بوتين.
تكاد تُجزم أوساط سياسية مُقربة من الكرملين أنه في حال أصبح تيلرسون وزيرا للخارجية الأميركية، بعد موافقة الكونغرس، ستشهد العلاقات الروسية الأميركية تحسنا كبيرا بعكس الحال مع إدارة أوباما. ويعتبرون أن هذا الاختيار من قبل ترامب، يؤكد أن الرئيس الأميركي المنتخب سينفذ وعُوده الانتخابية تجاه روسيا، مستندين في ذلك أيضا إلى تصريحات لوزير الخارجية المرشح أعتبر فيها العقوبات المفروضة على روسيا أضرت بالاقتصاد الأميركي واستثمارات «اكسون موبيل» في روسيا. ومن هنا، يمكن القول إن روسيا تُعول كثيرا على وعود ترامب وتصريحات تيلرسون وصداقته بالرئيس الروسي وغيره من المسؤولين الروس الكبار في إلغاء العقوبات المفروضة عليها بسبب الأزمة الأوكرانية، وفي التفاهم على سوريا. ولكن كارتر بيغ، المستشار الانتخابي للرئيس الأميركي المنتخب، الذي كان في زيارة لموسكو مؤخرا، أكد أن الحديث عن تخفيف أو إلغاء العقوبات الأميركية بحق روسيا سابق لأوانه. ومع ذلك، لم يستبعد احتمال تخفيف هذه العقوبات بعد مفاوضات طويلة. ويبدو أن مستشار ترامب يقصد، فيما يقصد، مفاوضات طويلة تتعلق بمساومات وحلول وسط، بيد أنه لم يكشف عن تفاصيل مثل هذه المساومات. ويسود اعتقاد في الأوساط السياسية الروسية بأن إلغاء العقوبات من قبل واشنطن سيُجبر دول الاتحاد الأوروبي على فعل الأمر نفسه، حيث سيجد نفسه وحيدا في عقوباته على روسيا.
فريق من الخبراء الروس يرى أنه يمكن للكرملين إغراء تيلرسون بصفقات كبيرة في قطاع الغاز والنفط الروسي كحافز على تحسين العلاقات الروسية الأميركية، ومن ثم تخفيف أو إلغاء العقوبات. ويعتقد هذا الفريق أن هذه الوسيلة ناجعة وتُستخدم في روسيا على نطاق كبير، حيث يمكن للعامل الاقتصادي تحسين العلاقات السياسية وتغيير مواقف الدول. ويفترض هذا الفريق أيضا أن العلاقات الروسية الصينية تتضمن هذا الجانب بدرجة أو بأخرى. فالصين، التي تتبنى موقفا مماثلا للموقف الروسي من سوريا، تغريها مصالحها الاقتصادية مع روسيا. ولذلك تتراجع التناقضات ذات الطابع السياسي والجيوسياسي بين البلدين إلى الخلف وتتقدم المصالح الاقتصادية. لقد دأبت بكين منذ الأزمة الأوكرانية وفرض العقوبات الغربية على روسيا، على مطالبة موسكو بالسماح لشركاتها بشراء حصص في أصول الشركات الروسية، بدلا عن الاعتماد فقط على استيراد موارد الطاقة الروسية. وبالفعل وافق فلاديمير بوتين هذا العام على بروتوكول الاتفاقية الحكومية الروسية الصينية بشأن شراء شركة «طريق الحرير» الصينية لحصة 9.9 في المئة من أسهم شركة «يامال» الروسية للغاز الطبيعي المسال. وفي الرابع عشر من كانون الأول الجاري، وقعت شركة البتروكيماويات الروسية «سيبور» اتفاقية لبيع 10 في المئة من أسهمها لشركة «طريق الحرير». ويسحب الخبراء الروس هذه «المعادلة» على المُصالحة الروسية التركية مؤخرا، والتي تُعيد السياح الروس إلى تركيا، بجانب الاتفاق على تنفيذ مشروع «التيار التركي الجديد» لنقل الغاز الروسي عبر الأراضي التركية وإلغاء الحظر المفروض على السلع والمنتجات الزراعية التركية. ويعتقد هؤلاء الخبراء الروس أن هذا الأمر جعل أنقرة تُخفف من موقفها، أو حتى تُغيره، من الأزمة السورية والوضع في حلب. ويظن هؤلاء كذلك أن شراء قطر بالمشاركة مع شركة «غلينكور» النفطية السويسرية الأسبوع الفائت لحصة 19.5 في المئة من أسهم شركة «روسنفط» الروسية الكبرى، قد لعب دورا في السياسة القطرية بشأن سوريا وحلب.
كما رحبت موسكو بفوز ترامب بالرئاسة الأميركية، رحبت كذلك بترشيح تيلرسون «صديق بوتين» لمنصب وزير الخارجية الأميركية على أمل بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة. فالروس الرسميون يراهنون على هذه المرحلة باعتبارها ستتجسد في اعتراف الإدارة الأميركية «الترامبية» بمصالح روسيا في العالم واحترامها. ولا تُخفي مصادر روسية أن مرحلة ترامب قد تكون بالنسبة إلى موسكو «هدية ذهبية» للتوافق على مناطق النفوذ والمصالح ودور روسيا الجديد على الساحة الدولية. وبشكل عام، يسود في صفوف الخبراء الروس المختصين بالشأن الأميركي رأي، مفاده أن تعامل الكرملين مع «الجمهوريين» الأميركيين أسهل بكثير من التعامل مع «الديموقراطيين». ويشدّدون على أن ترامب يتسم بالواقعية، كما بوتين، في السياسة الدولية. ومع ذلك تبرز أسئلة حائرة في موسكو بشأن السياسة الأميركية الجديدة المحتملة، ومنها ما يتعلق برد فعل روسيا في حال توتير ترامب للعلاقات مع الصين وإيران، حليفي موسكو. فهل ستنحاز روسيا لكل من بكين وطهران، أم أنها ستُفضل تحسين العلاقة مع إدارة ترامب على حسابهما؟

نشرت للمرة الأولى في "السفير"